مما لا شك فيه، أن موضوع الوقف الإسلامي وتطوره من الموضوعات التي حظيت باهتمام العلماء والباحثين المعنيين، وإن طغت الكتابات الفقهية على معالجة هذا الموضوع، لكثرة التساؤلات بشأنه، وبهدف المحافظة عليه وعلى دوره الإيجابي والاقتصادي في المجتمع الإسلامي·
وقد يلاحظ القارئ المتابع محدودية الدراسات العلمية أو الأكاديمية حول دور الوقف في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك في اتصاله بمؤسسات العمل الأهلي·
من هنا تبدو أهمية التعريف بالكتاب الذي صدر عن الأمانة العامة للأوقاف في دولة الكويت، ضمن سلسلة الدراسات الفائزة بجائزة الكويت الدولية لأبحاث الوقف للعام 1999م، والذي عنوانه: <إسهام الوقف في العمل الأهلي والتنمية الاجتماعية> للدكتور فؤاد عبدالله العمر، الأمين العام للأمانة العامة للأوقاف بالكويت، والخبير الاقتصادي بالبنك الإسلامي للتنمية سابقاً·

عرض الكتاب
يقع الكتاب في نحو 220 صفحة من القطع المتوسط، ويحتوي على سبعة فصول رئيسة، بالإضافة إلى قائمة المراجع والمصادر للكتاب باللغتين العربية والأجنبية، وتصدير للأمانة العامة، ومقدمة للكتاب، يوضح فيها المؤلف أهداف دراسته تلك، والتي تتمثل في تتبعه لمسيرة الوقف وتطورها التاريخي، انطلاقاً من أن الوظيفة الأساسية للوقف، بالإضافة إلى إسهاماته الواضحة في التنمية الاقتصادية، هي إسهاماته الفاعلة في التنمية الاجتماعية بجميع جوانبها، حيث سعت الدراسة ـ بعد تحليل موجز لتطور الوقف ـ للتعرف إلى عوامل الاتصال بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي، والأساليب التي يمكن من خلالها تعميق هذا التواصل والتعاون·
أما فصول الكتاب، فقد بدأها المؤلف بالحديث عن: دور الوقف ومؤسسات العمل الأهلي في التنمية الاجتماعية· والفصل الثاني: الوقف والدولة ـ العلاقة المتردية الواهية· والفصل الثالث: العلاقة بين نظام الوقف ومؤسسات العمل الأهلي <الجمعيات·· والمنظمات غير الحكومية>· والفصل الرابع: أوجه الشبه والاختلاف بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي في تحقيق التنمية الاجتماعية· والفصل الخامس: كيفية تنظيم وتطوير العلاقة بين مؤسسات العمل الأهلي ونظام الوقف ومؤسساته لخدمة أغراض التنمية المحلية والقُطرية· والفصل السادس: مقترحات لتفعيل العلاقة بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي لخدمة التنمية الاجتماعية، وأما الفصل السابع والأخير، فهو عبارة عن <الخلاصة والنتائج> التي توصل المؤلف إليها في هذا الكتاب·

الوقف والعمل الخيري
إنَّ دراسة العلاقة بين الوقف من جهة، ومؤسسات العمل الأهلي من جهة أخرى ـ في رأي المؤلف ـ لا يمكن تحديد محاورها وجوانب تحليلها المتعددة دون بيان طبيعة الموضوع وإطاره، في ضوء الدراسات المعاصرة، ذات الصلة للتعرف إلى ما توصل إليه الباحثون في هذا الصدد·
ومن ثمَّ بدأ المؤلف حديثه في <الفصل الأول> عن: <دور الوقف ومؤسسات العمل الأهلي في التنمية الاجتماعية>، حيث استعرض مجموعة من الدراسات المعاصرة التي تبرز أهمية الوقف ودوره في التنمية الاجتماعية، كما عرض لأهمية دراسته ومنهجها وأهدافها ومشكلاتها ومحدداتها الزمنية، ثم خلاصة للفصل الأول يبين فيها المؤلف أن الوقف الإسلامي يعتبر من أهم الأساليب المالية في النظام الإسلامي لتحقيق التنمية الشاملة للمجتمع، وبخاصة التنمية الاجتماعية، كما أن شرعية الوقف في الفقه الإسلامي تعتمد على ثلاثة أصول هي:
ـ حض القرآن الكريم على الإحسان في قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) المائدة:2، وقوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم) آل عمران:92·
ـ وكذلك في السنَّة النبوية، قوله صلى الله عليه وسلم: <إذا مات العبد انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له> روه البخاري:2772، ومسلم:1000، وإن الصدقة الجارية المذكورة في الحديث تتحقق في الوقف على أصل معناه المقرر الثابت·
ـ ثم الإجماع: وهو الطريقة الشرعية الثالثة التي يتحقق بها الوقف في الفقه الإسلامي، حيث ثبت أن الكثير من الصحابة وقفوا جزءاً من ثرواتهم، واستمر ذلك في الأجيال التي جاءت بعدهم·

الوقف والدولة
في الفصل الثاني: الوقف والدولة·· العلاقة المتردية···، يتحدث المؤلف عن ما يسميه <محاور علاقة الوقف بالسلطة الحاكمة> فيعرض للعوامل التي أدت إلى فرض الحكومات سيطرتها على الأوقاف في الدول الإسلامية· ويشير في أسلوب تحليلي لمحاور الوقف، وأهم وظائفه ومدى الحاجة لوجود سلطة حكومية لإدارته، ويوضح أن تلك المحاور تتركز في ثلاثة أمور هي: تنمية الوقف وإيراداته، صرف الريع الصافي من الوقف، وأخيراً الرقابة عليه <أي الوقف> من قِبَلِ السلطة الحكومية والقضاء·
ويخلص المؤلف من ذلك إلى القول: إن علاقة الوقف بمؤسسات العمل الأهلي قد تردَّت وضعفت وشائجها لبسط الدولة سيطرتها على الوقف وإداراته··· وهو ما كان سبباً لتدخل السلطة الحكومية في إدارة الوقف· ومع ذلك لم تحقق تلك السيطرة من قِبَلِ الدولة أهدافها المنشودة، إذ لم يطرأ تحسن واضح في الكفاءة الإنتاجية للوقف أو تطور عدد الأوقاف، أو تزايد الريع الناتج منه، أو تحسن في أثره في التنمية الاجتماعية والكفاءة التوزيعية لإيرادته· (ص 74 ـ 75) من الكتاب·

الوقف والمؤسسات الأهلية
في الفصل الثالث من الكتاب يتحدث الدكتور فؤاد العمر عن العلاقة بين نظام الوقف ومؤسسات العمل الأهلي التي تشمل: الجمعيات، والمبرات، والمنظمات غير الحكومية، فيشير إلى أن التعاون والتلاحم الكاملين بين الوقف وتلك المؤسسات كان هو الأصل، كما كانت خدمات التنمية هي القطب الذي يجمع بينهما، حتى برزت بعض الظروف والعوامل التي أدت إلى وجود فجوة بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي·
ويدلل على ذلك بأن المؤسسات الوقفية بالتعاون مع قوى المجتمع الأهلي كان لها دور أساسي في توفير واحد من أسس تلاحم هيئات المجتمع المختلفة من خلال إيجاد التكافل الاجتماعي والتماسك في جبهة واحدة ضد العدو الخارجي··· مما مكَّن تلك القوى من مقاومة السيطرة الاستعمارية (ص83) من الكتاب·
وفيما يتصل بتجربة الوقف ومؤسسات العمل الأهلي في الكويت، يوضح المؤلف أنه بعد تراجع توجه الواقفين نحو التصدق بثرواتهم، كوقف خيري، زاد عدد الوصايا، أو صناديق الصدقة الجارية في الكويت، كبديل للوقف، ومن ذلك إنشاء مؤسسة لتعليم الطلبة العرب العام 1965م، وتأسيس بعض الأوقاف الخيرية لصالحها، كما أنشئت الجمعية الكويتية لرعاية المعاقين، وخصصت أوقافاً لها، على شكل صدقة جارية، كما قامت بعض المؤسسات شبه الحكومية، كبيت الزكاة، وبعض مؤسسات العمل الأهلي، كجمعية الإصلاح الاجتماعي، وجمعية إحياء التراث الإسلامي، وجمعية النجاة الخيرية بالكويت، بتأسيس الكثير من صناديق الصدقة الجارية التي يُحبس أصلها ويُنفق ريعها·
غير أن ثمة عوامل مختلفة أدت ـ فيما بعد للأسف الشديد ـ إلى ضعف علاقة الوقف بمؤسسات العمل الأهلي، وفي مقدمها، تسخير السلطة الحكومية <في كثير من الدول الإسلامية> ريع الوقف لصالح الإنفاق الجاري لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أو أنشطتها ومشروعاتها المختلفة·
ومن ثمَّ يرى المؤلف أن الاهتمام بتطوير نظام الوقف، ووصل علاقته بمؤسسات العمل الأهلي سيوفر خط حماية في الدول الإسلامية ضد ما يطلق عليه اسم <الاستعمار الجديد>، الذي يتم حالياً من خلال السيطرة على المنظمات التطوعية والمحلية وتمويلها في تلك الدول، لتحقيق أهداف قد لا تتفق وأهداف التنمية الاجتماعية فيها· (ص39) من الكتاب·

الوقف وسلطة الدولة
كذلك لابد أن يحتل <نظام الوقف> موقعاً وسطاً بين السلطة، ممثلة في الإدارة الحكومية والمجتمع، ممثلاً في مبادرات مؤسسات العمل الأهلي، فالسلطة ممثلة في الأجهزة الحكومية، يكون إسهامها مثمراً، إذا ابتعدت عن <إدارة> الوقف، واكتفت بالرقابة عليه <يعني أداءه في المجتمع>، وتوفيرها التسهيلات والإعفاءات اللازمة لنموه·
أما ما حدث من تدخل السلطة في الوقف في القرنين التاسع عشر والعشرين الماضيين، فقد أضعف من أمر الوقف وإيجابياته في تلك المجتمعات الإسلامية المعاصرة!·
ولذلك عرض المؤلف لنماذج أو تجارب واقعية في امتزاج الوقف ومؤسسات العمل الأهلي، في دولة الكويت <على سبيل المثال>، ومن خلال الأمانة العامة للأوقاف بها، (ص96ـ103) من الكتاب·

التشابه والاختلاف
أما أوجه الشبه والاختلاف بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي، وأسباب الانفصال ودواعي الاتصال بينهما، فقد خصص المؤلف <الفصل الرابع> من الكتاب لتفصيلها، وقد أشار إلى جملة أشياء تبرز أوجه التشابه، ومنها: اللجوء إلى القضاء، والشخصية الاعتبارية والذمة المالية، وتوافر الشفافية، والقيام بالخدمة العامة وعدم قصد الربحية، وتقارب شروط استحقاق المساعدات والسياسات العامة، نحو تحقيق التنمية، وتوافر المبادرات الأهلية ونظام مفتوح للمشاركة من الجميع، ووجود الاستقلال الإداري والمالي (ص108 ـ 114) من الكتاب·
وبالنسبة لجوانب الاختلاف بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي، فهي: القصد <بمعنى الأساس الذي ينشأ منه كل منهما>، وإذن التأسيس، وأسلوب الإدارة، والمدة الزمنية، وتعبئة الموارد المالية، ونطاق الرقابة، وسياسات التوزيع، وسياسة الإعفاء الضريبي·
ثم عرض المؤلف أيضاً للعوامل البيئية والاقتصادية والسياسية التي تؤثر في الاتصال بين الوقف والعمل الأهلي، وتتمثل في: نظام الحكم وفلسفته، وطبيعة النشاطات التي يمولها الوقف، والتوجه العالمي، ودواعي الاتصالات ومبرراته، وتتجلى مظاهرها في: ترشيد الإنفاق، وتحسين المردود الاقتصادي للوقف، وتعميق الأثر التوزيعي للوقف، والاستغلال الأمثل للوقف، واستمراره وتوسيع نطاق مشاركة المسلمين فيه، وزيادة فاعلية الوقف وتنامي دوره التنموي، والاستفادة من مزايا مؤسسات العمل الأهلي، وتدعيم الثقة في السلطة الحكومية للوقف، ووجود الهيكل الإداري المناسب، والاتساع الجغرافي للدولة، والتخصص والقرب من الفئات المستهدفة، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية وانسحاب الدولة من الخدمات الاجتماعية، والحاجة إلى دعم الفئات المحتاجة··· (ص115 ـ 135) من الكتاب·
كذلك عرض الدكتور فؤاد العمر في الكتاب لبعض جوانب الضعف في الاتصال بمؤسسات العمل الأهلي، بقوله: <إن جوانب الضعف هذه إذا لم يتم التغلب عليها أو مواجهتها فإنها في النهاية ستؤدي لمزيد من الكلفة المالية، وضعف في الفاعلية والأثر التنموي للوقف، وهو أمر يتنافى مع الغاية من الاتصال بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي>·
ويمكن تلخيص بعض جوانب الضعف تلك في: ضعف الطاقة المؤسسية، وقلة الوعي بالمفهوم الشامل للتنمية الاجتماعية، وقلة الموارد المالية والبشرية، ومحدودية الخبرات والمهارات في الاتصال بمؤسسات العمل الأهلي·
وينتهي المؤلف من ذلك إلى التأكيد على أن <علاقة الشراكة والاتصال بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي يُظهر التجانس بينهما في كثير من الخصائص، كما يظهر إمكانية تجاوز مجالات التباين بينهما، مما يوفر بدوره قاعدة أساسية للاتصال الفاعل والمثمر الذي يحقق كثيراً من الفوائد والآثار الإيجابية لكلا الطرفين، استناداً إلى أن دواعي الاتصال بينهما كثيرة وأساسية·

استثمار الوقف
في <الفصل الخامس> من الكتاب يتحدث المؤلف عن <كيفية> تنظيم وتطوير العلاقة بين مؤسسات العمل الأهلي ونظام الوقف ومؤسساته، لخدمة أغراض التنمية المحلية والقطرية، ويرى أن تأكيد إيجابية تواصل المؤسستين من خلال تنظيم وتطوير العلاقة بينهما لا يتحقق إلا بتوافر الأسس الشرعية للوقف في تحديد <ماهية> علاقته بمؤسسات العمل الأهلي، التي تقوم في جانبها الرئيس على أمرين هما:
ـ توجيه استحقاق إيرادات الوقف وتحديد مصاريفه·
ـ بيان من يستحق التولية أو حق إدارة الوقف وعمارته· (ص146 ـ 150) من الكتاب·
ثم هناك أيضاً ضوابط العلاقة بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي التي تقوم بدورها على اعتبارات عدة منها:
تحديد الأوليات والاتفاق على رؤية واضحة للعمل، ووجود علاقة تعاقدية بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي، وتوافر نظام رقابي ومالي على النشاطات والأعمال، وتوفير الحوافز لمؤسسات العمل الأهلي مع ربطه بالكفاءة في التوزيع، وحسن اختيار مؤسسات العمل الأهلي وتنويعها، وأخيراً دور الوقف في اختيار الكفاءات الإدارية المناسبة لإدارة أنشطته·
وهكذا يقرر المؤلف في نهاية هذا <الفصل> أن التحدي الذي يواجه علاقة الوقف مع مؤسسة العمل الأهلي يكمن في طبيعة العلاقة بينهما، وكذلك في الشكل المؤسسي، وفي معايير الاختيار أو القبول الذي يحكم أصلاً طبيعة هذه العلاقة· (ص163) من الكتاب·
أما حديث المؤلف عن <مقترحات لتفعيل العلاقة بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي لخدمة التنمية الاجتماعية في الدول الإسلامية>، فكان عنوان <الفصل السادس> من الكتاب الذي يؤكد خلاله أن الحاجة إلى مؤسسات العمل الأهلي تنبع من تعريف <التنمية الاجتماعية> التي تعني: <إشباع الحاجات الفردية التي يمكن الوفاء بها من خلال تقديم الخدمات المطلوبة بوساطة مؤسسات العمل الأهلي>·
ويرى الدكتور فؤاد العمر أنه لكي تكون العلاقة فاعلة ومثمرة بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي في مجال التنمية الاجتماعية مثلاً، فلا بد من توافر أمور عدة منها: توافر البيئة الملائمة لأعمال مؤسسات العمل الأهلي، وتشكيل صناديق وقفية تضم الوقف ومؤسسات العمل الأهلي، وحصول إعفاءات ضريبية للمشاريع المشتركة بين الوقف ومؤسسات العمل الأهلي·
ويخلص المؤلف من ذلك إلى القول: إنه لا بد للوقف من الانتقاء والاختيار المناسبين، حسب المعايير المعتمدة، وأن عليه أن يقوم بمراجعة شاملة لعلاقته مع مؤسسات العمل الأهلي دورياً، بالإضافة إلى كل مؤسسة على حدة، لتقويم المنافع المكتسبة من هذه العلاقة· (ص183) من الكتاب·
وأما <الفصل السابع> والأخير من الكتاب، فقد خصصه المؤلف <للخلاصة والنتائج> التي انتهى إليها في هذا البحث، وتتلخص فيما يلي: إن الحكمة من تشريع الوقف ـ في الأساس ـ تعني تحقيق التنمية الاجتماعية في المجتمعات والدول الإسلامية، من خلال إيصال المنافع للعباد·
ـ إسهام الوقف في المشاريع التي تُوجِدُ فُرصاً للعاملين من خلال عمليات استثمار الأوقاف في المجتمع·
ـ تشجيع التوعية والبحوث العلمية، وبخاصة التطبيقية منها، حول الوقف ودوره في التنمية الاجتماعية·

تعقيب
وبعد··· فالكتاب الذي عرضنا له في جملته، يعد دراسة علمية قيمة، استطاع مؤلفه الدكتور فؤاد عبدالله العمر أن يتناول فيه مشكلة <إسهام الوقف> في العمل الأهلي والتنمية الاجتماعية، وهي المشكلة التي شغلته من سنوات طوال، بوصفها جزءاً من تاريخ الاقتصاد الإسلامي وتطوره منذ عهد النبوة، وبالتحديد عندما كان يُعد المادة العلمية عند تطور التاريخ الاقتصادي للمسلمين·
كما أن التوفيق حالف المؤلف كثيراً بفضل <النتائج> و<الخلاصات> التي توصل إليها عبر فصول كتابه هذا، بدءاً من استعراضه المركز لنماذج الدراسات المعاصرة في الموضوع ذاته، وبيانه أهمية الوقف ودوره في التنمية الاجتماعية، ولاسيما في حياة المسلمين الحاضرة، ثم مناقشته العلم، لأسباب تردي العلاقة بين الوقف والدولة بعد تدخلها فيه، أو ما يسميه بـ <علاقة الوقف بالسلطة الحكومية> (ص71) من الكتاب·
وكذلك تناوله لبعض جوانب ضعف الاتصال بمؤسسات العمل الأهلي والوقف، والتي يرى أنه إذا لم يتم التغلب عليها أو مواجهتها من خلال السعي إلى إيجاد الاستراتيجيات الناجعة، فسيؤدي ذلك إلى مزيد من الكلفة المالية، واضمحلال الفاعلية والأثر التنموي للوقف في المجتمعات الإسلامية المعاصرة·

بقلم: عرض وتحليل: السيد أحمد المخزنجي
رقم العدد:-  447  -الشهر:  1    السنة-  3

د. أكرم عثمان

الدولة : الإمارات العربية المتحدة .

العمر: 45 .

- بكالوريوس في علم النفس ( 1987م).

- ماجستير في علم النفس التربوي(2002م).

- دكتوراه في علم النفس التربوي (2005م).

- ممارس في البرمجة اللغوية العصبية من الإتحاد العالميّ ( الجزء الأول،2004م).

- دبلوم معتمد في المدرب المحترف من المركز الكندي 2007م

 

المحتويات

• مقدمة

• تعريف التميز

• لماذا نسعى إلى التميز

• مراحل التميز

• مجالات التميز

• معوقات التميز

• صفات المتميزين

•استراتيجيات التميز

مقدمة :

إن الارتقاء والجودة ومواكبة كل جديد تسهم وتدفع نحو التميز في العمل والعطاء ، مما ينعكس أثره في إعداد جيل قادر على النهوض والتقدم نحو مستقبل مشرق وضاء.

فعندما نتكلم عن التميز ، نعني به الجهد والأداء الفعال الذي يجعل المرء ينفرد ويظهر على الآخرين ، ويتفوق عليهم في عمله وأدائه لواجباته الوظيفية والمهنية .

لذا نجد أن الكثيرين من المهتمين بالتميز والإبداع يصفون الشخص المتميز بصفات نفسية واجتماعية وعقلية تختلف عن غيره من الموظفين ، وهذا ينسجم مع الدراسة التي أجراها فريق بحث من الاستشاريين في مجال تطوير الفعالية الشخصية، بمحاولة الكشف عن أسرار وتألق بعض الموظفين في العمل ، مع بقاء غيرهم من الزملاء دون تطور . توجه فريق البحث إلى المديرين والموظفين في شركات AT & T وهيوليت باكارد و 3M  وطرحوا عليهم الأسئلة التالية :

- ما الذي يميز نجوم الموظفين عن غيرهم من الموظفين العاديين ؟

- ما هي مميزات الموظف النجم ؟

- فكر في شخص تعتبره من نجوم الشركة وقارن بينه وبين موظف عادي آخر، وما الفرق بينهما ؟

بعد ذلك جمعوا الإجابات التي حصلوا عليها وجدوا أن الموظف المتميز يتصف بالآتي :-

1- أنه أكثر ذكاء من الموظف العادي .

2- أنه أقدر على الابتكار وحل المشكلات.

3- أنه أشد طموحاً ، وتتوفر لديه عزيمة النجاح .

4- أنه اجتماعي ويتقن مهارات الاتصال .

5- أنه يحب العمل أكثر من الموظف العادي .

وتم تحديد 45 سمة يتميز بها النجوم ، وأمكن تقسيم هذه السمات إلى ثلاث فئات رئيسية :-

1- سمات ذهنية ، مثل ارتفاع مستوى الذكاء والعقلانية وقوة الحجة والقدرة على الابتكار .

2- سمات شخصية ، مثل الثقة بالنفس ، الطموح ، والرغبة في التألق .

3- سمات اجتماعية : مثل مهارات الاتصال والقيادة .

ولكن بمضاهات هذه السمات على عينة عشوائية من 200 موظف يضمون بعض الموظفين النجوم ، توصل فريق البحث إلى النتيجة التالية :-

 إن أساس البحث خطأ ، وأن الأموال التي صرفت على البحث قد ضاعت سدى ، فقد تبين من الدراسة العلمية الإحصائية أنه ليس هناك فرق يذكر بين النجوم وبين غيرهم من الموظفين فيما يتعلق بالسمات الذهنية أو الشخصية أو الاجتماعية ، من هنا توصل الباحثون إلى أنه لا يكمن سر تميز الموظف في نوع المهارات التي يمتلكها ، ولكن في نمط استخدامه لهذه المهارات أثناء العمل .

إذن فقد وجد أن النظرة التي وصفت للنجم المتميز ليست صحيحة في أرض الواقع بناء على دراسات علمية توصل إليها الباحثون ، فقد يتمكن الكثيرون من الوصول إلى مرتبة النجوم ومنافسة العديد من زملائهم الموظفين ، والوصول إلى الارتقاء ، والتميز في العمل .

لا شك أن تحقيق التميز حلم يراود جميع العاملين في كافة قطاعات العمل ، ولعل تقديم وسائل وأساليب فاعلة ومهمة ، والوصول بها إلى الجودة يعني وجود الموظف الفعال والمؤسسة الناجحة القادرة على أداء رسالتها ووظيفتها على أكمل وجه ، فالمسؤول الذي لا يهتم بالتميز في عمله ، ولا يضع أفراده على سلم أولوياته، لا يحرص على إعداد جيل قادر على خدمة مجتمعه ، وبالتالي قد أضر بالمصلحة العليا التي وجد من أجلها ، وفقد أسباب وجوده ودوره المهم ، ولم يعد له إلا أن يختار واحداً من أمرين ؛ فإما الاعتدال ، وإما الاعتزال .

وينبغي على الموظف أن يجود في أدائه ، ويتجنب الأساليب التقليدية غير الفاعلة ، لتحقيق النقلة الحضارية الشاملة التي تهدف إلى بناء رجال أكفاء هم أساس مهم في بناء المجتمع وتطوره . الاختصاصي النفسي : د. أكرم عثمان .

تعريف التميز

لفظاً :-

( امتاز ) و ( تميز ) و ( استماز )  كله بمعنى

يقال ( امتاز ) القوم – إذا تميز بعضهم من بعض

والميز الرفعة

اصطلاحاً :-

التميز هو التفرد الذي يمكنك به الظهور والتفوق على الآخرين

لماذا نسعى إلى التميز ؟

1- احترام لقيمة الإنسان وعقول البشر .

2- طبيعة المهنة في ارتقاء وتطور ونماء

3- الابتعاد عن الفشل والإخفاق .

4- لأنه جزء أصيل من الاستراتيجيات التربوية والتعليمية .

5-إيجاد قوة التحدي والابتعاد عن السلبية والضعف .

مراحل التميز

- أفضل ما في العالم .

- أفضل ما في الدولة من آراء .

- أفضل ما في مجال تخصصك وعملك .

- أفضل ما لدى الزملاء .

- أفضل أداء لديك .

مجالات التميز    

1- في الأفكار والتطلعات

2- إدارة الذات

3- المهارات

4- التخطيط ووضع الأهداف

5- الأنشطة والوسائل

6- في التعامل مع اللوائح والأنظمة

7- في التعامل مع الآخرين

8- في المظهر

معوقات التميز

1- الشعور بالنقص

2- الإحباط واليأس

3- التقليد الأعمى

4- قلة المعلومات

5- التشاؤم والنظرة السوداوية

6- الخجل من المسئولين

7- الخوف على الرزق والأجل

8- ضعف تحمل المسؤولية

9- الروتين في العمل

10- الإنغماس في الشهوات والمفاسد

11- الرضى بالأمر الواقع

12-  مهاجمة الرأي المخالف

13- التنازع والشقاق

14- تهميش التدريب وتطوير المهارات والاحتياجات في العمل

15- مقاومة التغيير والتطوير

16- ضعف الدعم المالي

صفات المتميزين

1- لديهم أحلام وأهداف وغايات ويقومون بفعل ما يقول الآخرون باستحالة القيام به.

2- الطموح : يرغبون في تحقيق شيء ما ومن عندهم الاستعداد للعمل ورغبة وعزيمة في النجاح.

3- دافع قوي لتحقيق شيء ما : يشعرون بالرضا عندما يقومون بأداء مهمة ما.

4- التركيز : يركزون على أهدافهم وغاياتهم ولا تشغلهم صغائر الأمور ولا يماطلون أو يؤخرون عمل اليوم إلى الغد ، ويعملون لأجل الأهداف ، ولا تلين عزيمتهم حتى الانتهاء منها تماماً ، وهم يحققون نتائج من وراء جهودهم.

5- يتعلمون كيف يحققون ما يريدون : يستثمرون مهاراتهم ومواهبهم وقدراتهم إلى أقصى حد ممكن ، فهم يبذلون أقصى جهدهم في الأعمال التي ينجزونها.

6- يتحملون مسؤولية أفعالهم : لا يلقون باللوم على الآخرين ولا يشتكون أو يتذمرون .

7- يبحثون عن حلول لمشكلاتهم : يركزون على انتهاز الفرص عندما يحين لهم.

8- القدرة على اتخاذ القرارات : يمنعون التفكير في الموضوعات وما يتعلق بها من حقائق ويدققونها ويجمونها ثم يتخذون القرار بشأنها ولا يؤخرون قراراتهم أو يؤجلونها ، بل يتخذونها في حينها .

9- لديهم الشجاعة للاعتراف بأخطائهم

10- يعتمدون على أنفسهم : فهم يمتلكون المهارات والمواهب والتدريب الذي يتطلبه تحقيق النجاح .

11- يملكون المعرفة والتدريب والمهارات والمواهب : يعرفون ما يجب عليهم معرفته ... فعندما يحتاجون للمهارات والتدريب ، فإنهم يبحثون عنها .

12- يتعاونون مع الآخرين : يتميزون بشخصية إيجابية ، يحيطون بالأشخاص الذين يقدمون لهم العون والمساندة والدعم .

13- يتمتعون بالحماس : يشعرون بالإثارة في أي شيء يقومون به ويستطيعون نقل هذا الشعور للآخرين ، فهم يجذبون الآخرين لرغبة هؤلاء في العمل .  

وقفة تأمل

أجرت مجموعة بحثية دراسة لمعرفة نوعية الأشخاص الذين ينشئون أعملاً خاصة بهم ، ويبتعدون عن العمل كموظفين لدى الآخرين ...

النتائج الرئيسية للدراسة كانت على النحو الآتي :-

• 95 % منهم لم يكملوا الدراسة الجامعية ، بل اكتفوا فقط بالشهادة الثانوية .

• 5 % فقط لديهم شهادة جامعية لدرجة بكالوريوس .

ولم يتوفر لأحد من العينة البحثية أي درجة من الدراسات العليا ، والمعظم من رجال الأعمال لم يلتحقوا بالدراسة الجامعية .

استراتيجيات التميز

1- الثقة بالنفس : إن الثقة لا تساعد الفرد في أداء العمل الأفضل ، ولكنها تحدث تأثيراً فاعلاً في نفوس الآخرين ، فالناس يثقون في الأشخاص الواثقين من أنفسهم ... ولذا ينبغي أن نفكر دائماً في : ماذا نكون ، ولا نفكر أبداً في ماذا لا نكون.

2- كن إيجابياً : إن الموظف المتميز هو الذي يبحث عم الجانب المشرق في أي موظف ، ويبحث عن الخصائص الايجابية في نفسه والآخرين .

إن الأسلوب الايجابي هو تحديد السلبيات وتحويلها إلى إيجابيات ، إن الايجابية تعني أن نتحرك للأمام وتحقيق التقدم للوصول إلى النتائج والبحث عن التحسين والارتقاء والبحث عن المفيد بدل إعطاء النفس الفرصة للأفكار الهدامة ومشاعر الكراهية والغضب والحسد .

3- كن متمسكاً لوظيفتك  .. إن الحماس في العمل يزيد من تطور الشخصية والعمل على أداء مهام العمل بشكل أفضل ورائع .

4- أعرف نفسك جيداً : إن التعرف على القدرات والمهارات الذاتية ونوع العمل الذي يرغب فيه الفرد ويتقنه ، يسهل النجاح والتطور من خلال وضع خطة للعمل ومتابعة مدى التقدم في التنفيذ والمراجعة الدائمة لكل ما هو جديد من المعلومات والمهارات واستطلاع المشكلات قبل وقوعها ووضع خطة بديلة في حالة الفشل يجعلنا نعرف أنفسنا ونجاحاتنا جيداً .

5- الاقتناع بضرورة التميز : إن إيجاد القناعة بأهمية التميز في العمل فرصة مناسبة لتنمية القدرات والملكات ، مما يؤهله للوصول إلى ما هو أفضل مما هو عليه ... فمن العيب أن يقف الموظف دون الاستزادة في تنمية نفسه وصقلها بالمعارف والمهارات والوسائل الملائمة للعمل بجد واجتهاد ونجاح مثمر .

6- التلطف وحسن التعامل مع الآخرين .

7- إدارة الذات : من خلال البحث عن الوقت الكافي لأداء المزيد من المهام والمبادرات ، ولا تتحقق إدارة الذات عن طريق برنامج تدريبي ، بل تنتج عن المعرفة بالنفس وتحديد ما يصلح لها .

 

8- مهارات التبعية : فالتبعية تعني العمل بإخلاص لأجل نجاح المؤسسة ، من خلال ممارسة الاستقلال الفردي وتكوين رأي خاص عن الأهداف والواجبات والمشاكل المتوقعة وطرق العمل ، فهو يتعاون مع القائد لإنجاز أهداف المؤسسة ، فهو لاعب أساسي في تخطيط أعمال المؤسسة وفي التطبيق الميداني لهذا التخطيط .

9- المبادرة : فالمتميز يدعم مبادراته بإبداء الالتزام الشخصي والحماس تجاه المقترحات ويحشد لها ما يحتاجه من موارد وجهود ، وهي تعني البحث عن مسؤوليات إضافية تتجاوز المتوقع في التوصيف الوظيفي والتمسك بإصرار بفكرة أو مشروع والاستمرار في ذلك حتى يتحقق النجاح ويتحمل المخاطر الشخصية بتولي مسؤوليات جديدة .

10- بناء العلاقات والتواصل الفعال مع الآخرين : تكون العلاقات عند المتميز فرصة لتبادل المعلومات والخبرات ، بعكس الموظف العادي فإن علاقاته قائمة على النكات والشائعات داخل المؤسسة .

11- مهارات القيادة : إن الموظف المتميز يعمل كقائد غير ذي سلطة ، وبهدوء دون استعراض ، يتعاون مع الزملاء تحت تأثير مهارات القيادة ، وليس وفق السيطرة والهيمنة والمسؤولية .

12- روح الفريق : يعلم المتميز أن أول مبادئ روح الريق هي المشاركة الحقيقية ، وأن الريق ضروري لإنجاز المهام ، وأن حجم العمل أصبح أضخم من أن ينفذه فرد واحد حتى لو كان نجماً ... أصبحنا في زمن العمل الجماعي.

Stop

• ابتعد عن إضاعة الوقت ( برمج أوقاتك ).

• لا تتميز على حساب الآخرين .. ضع أمامك العبارات التي تقول : " إن للتميز قيم وأخلاق "

• لا تجالس الأشخاص السلبيين والمتقاعسين .

..................................

المراجع

1- الحمادي ، علي . التميز فنون ومهارات (دورة تدريبية) للعاملين في منطقة رأس الخيمة التعليمية. مركز التفكير الإبداعي ، دبي ، 2003م

2- الرازي ، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر . مختار الصحاح . بيروت ، دار الكتاب العربي .

3- الراشد ، صلاح . 12 خطأ مدمراً للنجاح في العمل والحياة . فواصل. مركز الراشد . النشرة (134) ، 15 فبراير 2004 م .

4- عبد اللطيف ، طلعت أسعد . كيف تجتذب عميلاً دائماً ؟ . الرياض، مكتبة العبيكان ، 1995 م

5- فيرمنتل ، ديفيد . 80 خطوة لتصبح مديراً ناجحاً . الرياض ، مكتبة جرير ، 2000 م

6- كيلي ، روبرت . كيف تصبح نجماً لامعاً في العمل . خلاصات . القاهرة ، الشركة العربية للإعلام العلمي (شعاع) ، العدد (135) ، أغسطس ، 1998 م ماير ، جيفري جيه . النجاح مرحلة . الرياض ، مكتبة جرير ، 2000 م .

7- ماير ، جيفري جيه . النجاح رحلة . الرياض ، مكتبة جرير ، 2000

8- المدير . نشرة شهرية مهنية متخصصة هادفة لتنمية وتطوير المديرين . الرياض ، ديسمبر ، 2001 م

9- www.sanrio.co.jp/english/parts3/line3.gif. 15/9/2004

...................

المصدر : ينابيع تربوية

 ديكارت فوكوّياً .. أنا أخطي إذاًً أنا موجود

 

د. جمال طحان

هذه هي إحدى النتائج المهمة للشك الديكارتي وتأملاته التي قادته الى أن ماهية الله متضمنة وجوده كما يتضمن تعريف المثلث أن مجموع الزوايا فيه يعادل قائمتين .

إن البرهان على فكرة اللامتناهي القائمة فينا ، يأتي في الدرجة الأولى بحسب الترتيب المنطقي لأن الشك الشامل اصطدم بحقيقة حدسية ومباشرة وغير قابلة للشك هي( أننا نفكر ) .

وبالتالي لا تصبح الحقائق يقينية إلا لأنها صادرة عن القدرة الإلهية الكاملة وغير المتناهية فالله ثابت الوجود لأنه تام الوجود ، وإرادته لا تتميز من حكمته ، وهو كائن مطلق واجب الوجود الذي هو منبع كل حقيقة .

وبين قواعد ديكارت ومبادئه وتأملاته ينتقل فوكو قارئاً له أمام طلابه في الجامعة التونسية منذ ثلاثين عاماً /1966 - 1967/ وفق مبادئ أولية يحاول الالتزام بها وهي : الإلمام بكتابات ديكارت والحفر فيها لمعرفة الهدفية النصية منها ثم تحديد موقعها من سواها .

ولكن : هل يلتزم فوكو بادعائة ؟

وهل نجح محسن صخري في فكرة كتابه المعنون ( فوكو قارئاً لديكارت ) وفي أسلوب نقله الدروس الفوكوية في قراءة ديكارت ؟

سؤالان تحاول الإجابة عنهما هذه المداخلة التي تورط صاحبها في قراءة الكتاب الذي صدر عن مركز الإنماء الحضاري بحلب .

في اللحظة الأولى يبدأ المؤلف البحث في تاريخية الفكر وبروز الفكرة أو مبدئها تاريخياً ويرى أن الفلسفة هي التي تملك الفكرة وفي حين أن الأفلاطونية ترى أن الفكرة تنتقل من الصورة وتعني بنظرية الفلسفة نظرية الفكرة أو الصورة يؤكد المؤلف قوله : نجزم أن الفلسفة أفلاطونياً هي رؤيا إذ ليس الفيلسوف .

إلا من كانت رؤيته أدق ( أو الأقدر على الرؤية ) ( ص9) بعد ذلك يوضح أن المفكر يرفع الفكرة، ثم ينتقل من أفلاطون إلى ديكارت ليعرض من خلاله أن الإله موجود ما دمنا نفكر فيه ويستنتج من الكوجيتو أن الوجود يتحدد من الفكرة التي تضمنه .

وسعياً نحو إعلان سلطة النص يرى أن الفلسفة المعاصرة وضحت أن النص هو أصل الفكرة. إن بدء التأويل هو إعلان لسلطة النص على حساب سلطة الفكرة ولا يمكن تعريف النص لأن مهمة فلسفة التأويل هي إنطاقه ومحاورته .

ثم يبدأ المؤلف بشرح فكرة ريكور وتعريفه للنص ( نسمي نصاً كل خطاب مثبت عبر الكتابة ) فالكتابة هي تثبيت للقول مع الإبقاء على فكرة نسبية التثبيت ليبقى سابحاً في الإطلاق .

والقارئ - حسب ريكور - هو محاور النص بغياب منشئه .

ويغدو النص - هنا - مزدوج التغييب فهو يغيّب القارئ عن الكاتب في لحظة الكتابة كما يغيّب الكاتب عن القارى في لحظة القراءة .

ويرى أن التأويل يسقط أسطورة النص المعلم والكاتب المعلم .

وهنا يمنح النص تواريخ متعددة ، تاريخ الكتابة ، وتاريخ التأويل ، مستبعداً تثبيت النص من خلال عملية التأويل التقييمية .

وهو بذلك لا يدرك ان النص مؤولاً هو نص مختلف لا تاريخ مختلف للنص نفسه .

ثم يستعرض مفهوم التأمل من التأمل المجرد الى فن التأمل متنقلاً بين بارت وهيغل وفوكو بفهم مضطرب وباستعراض مشوش يصل الى درجة إثبات الشيء وعكسه بين بارت الذي يرفع التأمل إلى درجة إدراك المستتر وهيغل الذي يلخصه في حركة ( الأنا مع ذاتها ) بشكل يمنع عنها الوصول إلى وعي موضوعي .

وفي اللحظة الثانية يبدأ المؤلف بتقديم تأطيري للدروس التي سيقررها في الكتاب على لسان فوكو واصفاً إياه بأنه يقابل التأمل الديكارتي بالتأمل الفوكوي على نحو داخلي وفق قواعد ثلاث هي :

1- البحث عن ديكارت خارج نصه بالاستناد إلى القراءة الهيغلية والنيتشويه والهوسيرلية والهايدغرية للنص الديكارتي .

2- قراءة النص الديكارتي بدءاً بالقواعد كمدخل جوهري لبحث مسألة التأملات التي تستند إليها هذه الدروس الفوكوية أساساً .

3- التركيز على التأملات التي يسميها ديكارت ميتافيزيقية ويرفعها فوكو إلى الرغبة في أن تكون علماً .

ويرى فوكو أن اكتشاف التأملات للكوجيتو واعتبار التفكير مقياساً للوجود داخل مناطق الشك يكشف عن النمط التدريجي الذي تحفل به التأملات لتقول ما تريده في الوقت المناسب لفاعلية القول . وفي نهاية التقديم يقرّظ المؤلف القراءة الفوكوية لديكارت ، التي لم تكتف بالتلقي وإنما حاكمت النص بمعادلة بين النص بين النص وتأويله وبين الشكل والمضمون ( ومن الملاحظ هنا بروز التناقص عند المؤلف الذي لم يميز في قراءة فوكو بين المقابلة التأملية وفعل التأويل ) ولم يكتف فوكو بالاختفاء وراء سلطان ديكارت - حسب المؤلف - بل أعلن بعض ثغراته وأظهر تردده بين الوضوح والتميز .

وقد كان انغماس ديكارت في الثنائيات سبباً في هذا التردد بين الفكر والجسم والتناهي واللاتناهي ، والحقيقي والخاطئ .

لقد اكتشف ديكارت داخل التأملات المنهج التحليلي خلافاً للقواعد التي تستند الى منهج تأليفي وهذا ما يميز كتاب التأملات من المؤلفات الديكارتية الأخرى حسب فوكو .

في اللحظة الثالثة تبدأ فعلياً دروس فوكو يوصفه قارئاً لديكارت وفيها يبحث فوكو عن الصورة الديكارتية عند هيغل ثم عند نيتشه ثم عند هوسيرول وأخيراً يرسم صورة ديكارت كما رآها هايدغر ، وذلك من خلال قضايا مجتزأة أو أحكام حول بعض النصوص والمسائل أصدرتها القراءات السالفة .

فهيغل يعدّ ديكارت واضعاً لأسس فلسفة الحداثة حيث انتقلت الفلسفة بوساطته من سؤال معرفة إلى سؤال المعرفة ، ثم الانتقال من قيود الموضوعي إلى التحرر الذاتي في إطار تأصيل الكوجيتو (أنا أفكر ) وأخيراً تسييد الإنسان على الطبيعة من موقع الأخلاق .

في حين يرى نيتشه أن مشروع المعرفة الديكارتي صارم حيث يلزم الفكر العامي بتأهيل رياضي كما أن تعميم الذاتية بحيث تعطي أحكاماً موضوعية ، يتضمن أكذوبة لا يحتملها الواقع .

ثم وافق فهم فوكو لأحكام نيتشه على ديكارت يرى أنه يهمش العالم حين يتبعه بذات الإنسان ويراه يتقدم بلا تعرجات ، ويكون بذلك - أي ديكارت - مجرد صدى لفكر سابق عليه ، يتحدد بالنسق السقراطي أو الأفلاطوني .

وبعد أن قدّم المؤلف عرض فوكو بعض الآراء حول فكر ديكارت محاولاً تبيين موقعه من الفكر الحديث ، ينتقل الى تحليل فوكو للفكر الديكارتي بدءاً بالقواعد وانتهاءاً بالتأملات .

وهنا يظهر أن المشروع الديكارتي وفق فكرة ( المعرفة الكونية) لا يعود الى مشروع ( العلم المغلق ) حول ذاته لكنه يمس الأخلاق أكثر منه المعرفي وبذلك يمر ديكارت من المعرفة الى المنهج الذي يمكّن منها. لكل ذلك كانت القواعد وكان خطاب المنهج ثم جاءت التأملات .

وهكذا ينتقل فوكو الى التساؤل عن ماهية المعرفة لدى ديكارت، فالمعرفة تجربة ثم استنتاج التجربة تُعطى للأنا مباشرة . أما الاستنتاج فهو شكل البرهنة أو التعقل بالانتقال من تجربة معطاة الى قضية لم تقدمها التجربة ، وبذلك يتضح الاختلاف بين الاستنتاج الذي لا يمكن أن يكون موضع خطأ وإنما يأتينا الخطأ من التجربة لذلك فالمعرفة الحقيقية او التعلّم الأولي الذي يحصل من التجربة ، هو البداهة . وهذا يمثل تراجعاً من المعرفة المتأتية من التجربة الحسية وتفضيلاً لمبدأ التعقل الرياضي كنموذج أصلي لإنشاء المعرفة كما يجب أن تكون .

بعد انتهاء فوكو من قواعد ديكارت ينتقل الى التأملات حيث يرى أن ديكارت هو الذي أدخل التأملات الى الفلسفة ويرى أن للتأمل مقصداً أو غاية لإدراك موضوع ما . ومن تأمل المسألة الدينية يتضح أن يكارت لم يكن معارضاً للموقف الديني السائد وإنما عارض الفهم الأرسطي للدين ، كما عارض نزعة الإلحاد . لذلك فإن ديكارت لم يكن غريباً عن فكر عصره ، وبينما يعدّ فوكو أن الميتافيزيقيا هي موضوع التأملات يبدو ان ديكارت كان يبحث عن دعائم ثابتة للعلوم مما ينفي عنه الهدف الميتافيزيقي المعلن ويحيل الى هدف التأملات التي تجعل العلم موضوعاً ، فداخل التأملات تتحول الميتا فيزيقا الى فلسفة أولى ثم الى عامة .

إن مسألة الفلسفة الأولى تحيل ديكارتياً - حسب فوكو - الى ضرورة إدراك زوال الميتافيزيقا العامة كبحث في الوجود بما هو موجود . كما أن النظر لا يتعلق بالنفس أو بالجسم منفصلين ، بل بطبيعة الانفصال بينهما وهذا يعني انتهاء الفلسفة الأولى كمبحث انطولوجي ، وبداية ثلاثة موضوعات هي : الإله ومسألة الوجود والنفس والجسد وانفصالهما .

ومن تفحّص التأملات يتبين أن البنية السداسية للتأملات تحيل الى : الشك ، النفس ، والإله ، الخاطئ والحقيقي ، الإله وماهية الأشياء المادية ، وفي اختلاف النفس عن الجسم . كما نجد التأملات من الأول الى الثالث تبيّن ( ان واقع النظر يمر من اللاتيقّن من هذا الشيء الذي يقع خارجه / الإله / ) أو لعل الإله هو الشيء الوحيد الذي يقع خارج الأنا أفكر ( ، على أن إثبات الذات ديكارتياً تبقى عقيمة إذ يفترض التفكير في هذا الخارجي ) وجوده فإثبات هذا الإله الذي بإمكانه ( أن يجعل الإثباتات الأخرى ممكنة فالكل تابع للإله ) ص/64/65/

ومن ذلك نتبين أن التأملات تحيلنا إلى جملة ثنائيات مختلفة .

وبعد أكثر من نصف الكتاب يبدأ فوكو بتحليل تأملات ديكارت من خلال نقل الأستاذ محسن صخري للدروس المعطاة التي لا نستطيع أن نتبين من خلالها أي جديد في فهم التأملات الديكارتية كما وردت لديه بحيث يقف فوكو حيادياً تماماً ، إن لم نقل أن نقل الدروس تلك تفيض بتشويش الذهن حول المعطى الديكارتي في تأملاته .

وذلك باستثناء رأي عام ورد أثناء الحديث عن التأمل السادس حيث يرى فوكو ان الديكارتية خلّصت الفلسفة من الخطاب الأنطولوجي وأحدثت نمط معالجة الكينونة من منطق الاختلاف كما بدأت الفلسفة بالميل لصالح الماهية على حساب الكينونة واللقاء بين العقلاني والرياضي في التأملات جعل تأثير الرياضي يتجسد داخل الفلسفي ذاته على حساب الانطولوجي .

ومن خلال قراءتنا السريعة لفوكو قارئاً ديكارت نجد انه لم يعمق فهمه إياه من خلال القراءة تلك مما يجعلنا نرجّح أن فوكو لم يقدّم جديداً لقراء ديكارت بدون وساطته وإن يكن قد حاول الالتزام للوفاء بادعائه الذي تصدّر الدروس .

أما الأستاذ محسن صخري فقد نجح من خلال فكرة كتابه بنقل دروس جامعية عن مدرّس مثل فوكو لكنه تعثر بالأسلوب ولم يسعفه المخزون اللغوي بانتقاء الألفاظ للتعبير عما يريد قوله كما أنه كان أميناً على النقل ولم يبد سوى إكالة المديح لأستاذه من غير أن نجد مسوغاً لذلك .

وأخيراً إذا كنا نحمد للناشر أناقة الكتابة وجمال غلافه ، نأخذ على مركز الإنماء الحضاري وعلى المؤلف معاً ، تلك الأخطاء الهائلة الواردة فيه ، مثل اضطراب الفهم وعدم التفريق بين الرؤيا والرؤية ص/9/ وكثرة استعمال الهمزات في غير مكانها المناسب وعدم التمييز بين همزتي القطع والوصل على امتداد الكتاب كله ، وتكرار بعض الكلمات التي تعزى الى الطابع ينُظر / ،51،19،18،15،11 53 /.

وسنكتفي أيضاً بسرد الأغلاط التي وردت على امتداد الكتاب كله دفعاً للإطالة :

التنسيب ، تعتبر أن ، في نفس الوقت ، تغيباً ، طالما ، إن ثم نقل ، مالتأمل ، معرافته ، وما ما ينجز ، تتوجد ، بمثابة ، إنما ما تعززه ....

وذلك في أكثر من خمسين صفحة .

وإذ نكتفي بهذه الصفحات ، يستطيع القارئ أن يرى مثل تلك الأغلاط على امتداد الكتاب كله ، فضلاً عن الاضطراب في استعمال النسبة :

فوكولتي /فوكوري / فوكولي / فوكوي ، على امتداد الصفحات /29،28،26،22/ وسواها. ونلحظ اضطراباً شديداً في استخدام أحرف الجر / عن ، على / مما يغيّر المعنى المراد في كثير من الأمكنة ، ينظر مثلاً ص/27،24/.

وعذراً لهذه العجالة وإنما ابتغينا أن يفيد منها الناشر والمؤلف والقراء معاً .

وما هذه القراءة سوى مقاربة أوليّة تلامس النص تاركة للقراءة الأعزاء الحكم النهائي عليه .

المصدر : ينابيع تربوية 

مجموعات فرعية

.